السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

241

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

« حَمِيدٌ ( 267 ) » لما تتصدقون به وأنه يظهر حمدكم على لسان عباده فيثنون عليكم ، ثم حذرهم خوف فقدان ذات اليد بسبب التصدق ، فقال عز قوله « الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ » يخوفكم به كيلا تتصدقوا ليحول دون ما أعده اللّه لكم من الثواب حسدا وليظهر على ألسنة الناس ذمكم « وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ » هذه الكلمة في جميع القرآن بمعنى ما يستقبح فعله ويفحش كالزنى واللواطة إلا هنا فإنها بمعنى البخل الذي هو منع الزكاة لأن هذه الآية من أوضح الآيات الدالة على فرض الزكاة على النقود والحبوب وغيرها لعموم لفظها وشموله ، والعرب تسمي البخيل فاحشا قال طرفة بن العبد : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد « وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا » خلفا لما تتصدقون به مع العفو عن ذنوبكم « وَاللَّهُ واسِعٌ » العطاء لا تنفذ خزائنه يعطي من يشاء بغير حساب وهو « عَلِيمٌ ( 268 ) » بمن يتصدق لوجهه ممن يتصدق لغيره . تنبه هذه الآية إلى أن ما يحصل في قلب المنفق من خوف الفقر هو من الشيطان فينبغي أن لا يلتفت إليه لأنه من جملة مكايده ، وأن ما يقع في قلبه من رجاء توسعة الرزق بسبب النفقة هو من اللّه فليثق به فإنه لا بد أن يزيده من فضله ، وتشير إلى أن الشيطان يغري البشر على البخل لئلا ينفق واللّه جل جلاله يغريكم على الكرم مع وعد الخلف ، فعلى العاقل أن يكون حكيما فيميل إلى ما به النفع الدائم لأن اللّه تعالى « يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ » من عباده ممن هو أهل لأن يتبصر بها لأنها لا تكون بالكسب ولا بالجهد ولا بالتعليم بل هي من اللّه الذي يبصر عبده بطرق الخير ويهديه لسلوكها ، ويعرفه طرق الشر ويصرفه عنها ، وهذا هو معنى الحكمة وهي أعظم ما يؤتى العبد بعد الإيمان « وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ » الحقيقة التي هي النبوة « فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » لأنها ملاك خير الدنيا والآخرة « وَما يَذَّكَّرُ » بمواعظ اللّه وعبره وأمثاله « إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 ) » لأنهم هم المنتفعون بها العالمون بما ينتج عنها . قالوا إن الحكمة بمطلق معناها لا التي بمعنى النبوة بنيت على ثلاث : أيدي الصين وأدمغة اليونان وألسنة العرب . واعلم أن هذه الآية تشير إلى